أكذوبة تجميد الاستيطان تفضحها الحقائق والأرقام 1-2

 د. عدنان أبو عامر                  

      يشبه القرار الإسرائيلي "الاضطراري" بتجميد الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة لمدة عشرة أشهر، القاعدة العسكرية القائلة: التراجع خطوة إلى الوراء من أجل التقدم عشر خطوات إلى الأمام!

      وربما ما أعلنه أقطاب الحكومة اليمينية الحالية حول وضع المزيد من الخطط، ورصد الموازنات للانطلاق بقوة بعد انقضاء هذه الفترة الزمنية، يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن تل أبيب ماضية في استيطانها، بالرغم من استجابتها "المؤقتة" للمطالب الأمريكية والأوروبية الخاصة بتجميد الاستيطان، وليس وقفه!

      التحليل التالي يقدم قراءة تاريخية لأهم المراحل التي مر بها الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي المحتلة، مستعيناً بأرقام وإحصائيات، ومستعرضاً أبرز المحددات التي تحكم مواقف دولة الاحتلال من هذه القضية.

* المراحل التاريخية للاستيطان

      عملت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ عام 1967، على إقامة المزيد من التجمعات الاستيطانية في الأراضي المحتلة، وأبدت استعداداتها لتحمل الأثمان الاقتصادية والمالية التي ستدفعها، إضافة للأثمان السياسية والدبلوماسية التي تحملتها عبر الضغوط الدولية التي مورست عليها لوقف إقامة المستوطنات وتوسيعها.

      وبمراجعة تاريخية سريعة، وصلت ذروة التركيز الإسرائيلي في إقامة المستوطنات خلال تولي "مناحيم بيجين" لرئاسة الحكومة أواخر السبعينات من القرن الماضي، وجاء رؤساء الحكومات اللاحقين ليعززوا توسيعها، وما تتطلبه من إقامة شبكات واسعة من البنى التحتية.

      "ألوف بن"، المحلل السياسي الأبرز في صحيفة هآرتس، وضع عدداً من الفوارق والاختلافات التي طرأت على بنية الاستيطان في الحالتين، أهمها:ـ

أ‌- تراجع البعد الأيديولوجي الذي يحث على إقامة المستوطنات.

ب‌- تزايد حملة الضغوط الدولية، السياسية والدبلوماسية.

ت‌- دخول المستوطنات إلى حلبة الصراع الحزبي الداخلي.

      وبالرغم من ذلك، يشير "بن" في دراسته القيمة التي نشرها مؤخراً معهد أبحاث الأمن القومي، التابع لجامعة تل أبيب، إلى تعزيز الحكومات المتعاقبة لزيادة الحوافز لإقامة المستوطنات، والرغبة الجامحة التي اجتاحتها لتوسيعها، وما حققه ذلك من أهداف مختلفة لإسرائيل خلال بعض المراحل التاريخية.

      وبالإمكان حصر ثلاث مراحل تاريخية مرت بها بناء المستوطنات على النحو التالي:ـ

1 ـ مرحلة البناء 1967-1992: أقيمت بغرض تحديد حدود الدولة المستقبلية، وتقوية نفوذها الميداني على الأرض، والحيلولة دون تسليم الضفة الغربية لطرف سياسي آخر، ومن حينها برزت الخارطة النهائية للمستوطنات الحالية.

2 ـ مرحلة الاختبار 1992-2005: وبينت التمييز بين المهام المناطة بالمستوطنات، وأدركت إسرائيل خلالها أي منها ستبقى بحوزتها في إطار الحل النهائي مع الفلسطينيين، وتلك المنعزلة المقامة خلف الجبال وغور الأردن، ومثلت الامتحان الحقيقي في كيفية الجمع بين توسيعها من جهة، وإبعادها قدر الإمكان عن الخط الأخضر من جهة أخرى.

وجاء جدار الفصل العنصري، الذي أقيم خصيصاً لمنع العمليات الاستشهادية، ليقيم عازلا ماديا بين كلا النوعين من المستوطنات، بحيث بدا التفاهم واضحا بين رئيس الحكومة "أريئيل شارون" والرئيس الأمريكي "جورج بوش"، بعد تقديم التفاهمات بشأن إخلاء المستوطنات من قطاع غزة عبر تطبيق خطة الانفصال أحادي الجانب أواخر 2005.

3 ـ مرحلة "النمو الطبيعي" 2006 إلى الآن: منذ اعتلاء "إيهود أولمرت" لسدة الحكم خلفا لـ"شارون"، وحتى وصول "بنيامين نتنياهو" إلى رئاسة الحكومة، تصرفت الحكومتان المتعاقبتان على أن الحدود النهائية لإسرائيل تحددت فعلاً، وباشرا بحل بعض المشاكل الاجتماعية الناشئة داخل المستوطنات، كإيجاد المزيد من الوحدات السكنية للمتدينين اليهود.

ووفقاً لأرقام ومعطيات وزعتها وزارة الحرب الإسرائيلية، فإنه منذ صيف 2008، أقام في الضفة الغربية، خارج الحدود الطبيعية لمدينة القدس، ما يقرب من 282 ألف يهودي في 120 مستوطنة، منهم 80 ألفا في 77 مستوطنة خارج حدود الجدار، و202 ألفاً آخرين في 43 مستوطنة غرب الجدار، وما يقرب من 200 ألفا في أحياء القدس المحتلة.

* نظرية التجمعات الاستيطانية

      أولاً: فترة حكم "شامير": في أواخر سنوات الثمانينات تعرضت إسرائيل لحملة ضغوط دولية بعد توسيعها للمستوطنات، وبسبب انطلاق انتفاضة الحجارة، التي حظيت بتضامن دولي كبير، اصطدمت إدارة الرئيس "جورج بوش" الأب، مع رئيس الحكومة "إسحاق شامير"، الذي بادر لإقامة مستوطنات جديدة، وتوسيع القائمة منها، ورفض "بوش" في حينه منح إسرائيل التمويل الذي طلبته لإيواء المهاجرين اليهود من دول الاتحاد السوفيتي.

      ثانياً: فترة حكم "رابين": خلال انطلاق الحملة الانتخابية عام 1992، ميز "إسحاق رابين"، بين نوعين من المستوطنات:

1- "المستوطنات الأمنية": التي دعمها بقوة،

2- و"المستوطنات السياسية": المقامة في أوساط الفلسطينيين، وأبدى معارضة كاملة لها.

      وجاء اتفاق الضمانات الذي توصل إليه مع الرئيس "بوش" في أغسطس 1992، ليمنح إسرائيل الفرصة لاستكمال المشاريع الاستيطانية التي بدأت البناء بها، وأعلن اعترافه بـ"النمو الطبيعي" للمستوطنات القائمة، خاصة في القدس وغور الأردن.

      وأسفر هذا الاتفاق عن نشوء جدال حاد، بحيث حاولت الحكومات المتعاقبة التنصل منه، وعملت على استغلال مفهوم "النمو الطبيعي" لتوسيع المستوطنات بصورة مكثفة للبناء فيها.

      وربما ليس غريباً أن يكون السبب في تنامي البناء الاستيطاني خلال فترات حكومات اليسار في إسرائيل، بصورة خاصة، وليس في حكومات اليمين، التي أبدت تعاطفاً واضحاً مع المستوطنين، حيث نجح "رابين" في تسويق مشروعه السياسي من خلال التصويت الذي جرى في الكنيست على الاتفاق الانتقالي "أوسلو ب"، قبل شهر من اغتياله، أواخر عام 1995.

      ثالثاً: فترة حكم "باراك": خلال فترة حكمه جرى سباق محموم بين تيارين فاعلين في الحلبة السياسية الإسرائيلية، بصورة خفية، على النحو التالي:

1- العمل الميداني: وهو الجهد المبذول لتثبيت حقائق على الأرض عبر إقامة نقاط استيطانية حول المستوطنات الكبيرة، بموافقة ضمنية من الحكومة، ووفرت لهم حماية أمنية وخدمات أساسية.

2- العمل السياسي: الذي تركز أساساً في الجهود السياسية التي دفعت باتجاه الوصول مع الفلسطينيين لاتفاق الحل النهائي.

      رابعاً: فترة حكم "شارون": حيث تركز النقاش الجماهيري في إسرائيل حول مستقبل المستوطنات، ففي حين كان شارون في الماضي، من خلال مواقعه السياسية والعسكرية والإدارية، المنًظِر الأساسي لفكرة الاستيطان في المناطق، والمشجع الأبرز لها، فقد واجه حين أصبح رئيسا للحكومة تهديدا خطيرا تمثل بـ"العمليات الاستشهادية".

      ووجد شارون نفسه بين ضغوط متواصلة، واختار اللجوء لاتخاذ أصعب القرارات في حياته حيث:

أ‌- إقامة الجدار الفاصل في الضفة الغربية،

ب‌- إبقاء المستوطنات الكبيرة داخل حدود إسرائيل،

ت‌- تطبيق خطة الانفصال أحادي الجانب، بما فيها إخلاء المستوطنات في قطاع غزة،

ث‌- إزالة أربع مستوطنات في شمال الضفة الغربية.

      خامساً: فترة حكم "أولمرت": الذي رأى أن تقسيم الكيان الإسرائيلي، والانفصال عن الفلسطينيين، من شأنه أن يوفر للدولة أغلبية يهودية، وهو طوق النجاة للصهيونية، وبالإمكان تقييم سياسته الاستيطانية على النحو التالي:

4- خلال المفاوضات السياسية التي أجراها "أولمرت" مع الرئيس محمود عباس، حول ما بات يعرف بـ"اتفاق الرف"، الذي كان من المقرر أن يحدد الأسس العامة للاتفاق النهائي، بدت المستوطنات المنعزلة كورقة مساومة بينهما.