قدس لا قدسان

مصطفى الصواف

دولة لا دولتان، وقدس لا قدسان، من قال أن الشعب الفلسطيني يقبل تقسيم القدس إلى قدسين لتكون قدس لدولة فلسطين وقدس لدولة يهود، وهل قبل الفلسطيني دولة للفلسطينيين ودولة ليهود على ارض فلسطين، قد يقول الواقع أن هناك فعل دولة لليهود بلا حدود وبأطماع أن تكون كل فلسطين هي دولة يهودية والعرب دولتهم في الأردن، ورغم انحسار هذا المشروع بشكل تكتيكي لدى يهود إلا أنه خطوة نحو الانحسار والنهاية.

الاتحاد الأوروبي يرى أن هناك إمكانية لتقسيم القدس بين الفلسطينيين والإسرائيليين، موقف أوروبي متكرر ولم يحمل جديدا، ولكن هل تتوقع أوروبا أن يقبل الفلسطينيون تقسيم أرضهم ومدينتهم حتى يقاتلوا على طرح هذه القضية على طاولة البحث، وكيف يسمح الأوروبيين لأنفسهم أن يقسموا بلاد غيرهم وهل يقبل الأوروبيين تقسيم العاصمة البريطانية لندن أو باريس، أو أن يعاد تقسيم العاصمة الألمانية برلين.

الاتحاد الأوروبي لم يعترف منذ احتلال مدينة القدس بعد حرب 67 بالخطوات التي أقدمت عليها إسرائيل بحق القدس من ضم واستيطان وتهويد وطمس معالم، وهذا الرفض لم يقدم جديد، واخذ يهود يمارسون سياستهم دون اكتراث بالمواقف الأوروبية، بل هناك قرار أمريكي بنقل السفارة ، وهناك بعض الدول الأوروبية تفكر بنقل سفارتها إلى القدس، وهذه الضجة التي أثارها المشروع السويدي حول تقسيم القدس لا قيمة لها، وهو تكريس للتعدي على حقوق الشعب الفلسطيني وانتزاع حقه في أرضه، وخطوة نحو القضاء على الحلم الفلسطيني.

قد يقول البعض أن هذا الموقف الرافض لتقسيم القدس يتساوق مع الموقف اليهود، وانه ضد المصلحة الفلسطينية التي يراها فريق التفاوض والاعتراف بإسرائيل ومشروع الدولتين المجاورتين على ارض فلسطين، ولكن الرفض الإسرائيلي يختلف عن الرفض الفلسطيني، فالإسرائيليون يرون في هذا القرار معول هدم في الحلم وفي الاغتصاب لكل فلسطين رغم انه فيه تثبيت واضح لكيانهم، أما الفلسطينيون فيرون أن هذا القرار فيه تسلم بتصفية القضية وتسليم بالعدوان الصهيوني على فلسطين، وفيه تفريط بحق الشعب الفلسطيني في العودة والتحرير وإقامة الدولة الفلسطينية على كامل التراب الفلسطيني وان هذا الرفض لتقسيم القدس وتقسيم فلسطين هو بداية نحو التحرير الكامل، وهو استكمال للرفض الفلسطيني للتنازل عن حقوقه منذ الانتداب البريطاني،  ورفض قرار التقسيم وكل الاتفاقيات التي تنقص من الحقوق ، وعَمل على مقاومتها ومجابهة مشاريع التصفية، وهي نفس النتيجة التي ستكون في مجلس الأمن لو قدم مشروع إقامة الدولة الفلسطينية ولو من طرف واحد.

لن نقبل بتقسيم مدينة القدس كما رفضنا تقسيم فلسطين، ففلسطين ارض للفلسطينيين من كافة الديانات الإسلامية و المسيحية واليهودية ولكنها فلسطين وليس إسرائيل، فلسطين وليس فلسطين وإسرائيل، فلسطين وحدة واحدة غير قابلة للتقسيم.

هذا الذي يجب أن يكون؛ وهو أن فلسطين من بحرها ونهرها وشمالها وجنوبها هي حق خالص للفلسطينيين وغير ذلك هو أمر طارئ يجب أن لا يُعترف به كحقيقية متأصلة ونهائية رغم أنها قائمة على ارض الواقع بفعل الظلم العالمي واختلال موازين القوي.

لا تعيروا اهتماما للمنتقدين والمفرطين والساعين إلى وضع الجميع في سلة واحدة طالما أننا على حق ونؤمن بهذا الحق وندافع عنه بما نملك، وان لا نستسلم لهذا الواقع الذي يحاول الغرب والأمريكان والمفرطين من العرب والفلسطينيين أن يسلموا به.

وما نتحدث به ليس حلما، أو خيالا، بل سيكون حقيقة واقعة رغم هذا الظلام والعتمة التي تحيط بفلسطين وشعب فلسطين، ولكنه قدرنا أن نصبر، وفي نفس الوقت أن نعمل وان نستمر برفض مشاريع الاستسلام والتصفية، وان لا نتنازل عن حقوقنا في كل شبر من ارض فلسطين مهما كان الثمن، فالحقوق إستراتيجية ولا تكتيك فيها.

وفي الختام لا نعتقد أن الاتحاد الأوروبي قد يتخذ قرارا بتقسيم القدس وفقا للمشروع السويدي، لن تغيير أوروبي جلدها ولن تأسف على ما وقع على الشعب الفلسطيني، ولن يرى المشروع السويدي النور وربما ما سيتوصل إليه الاتحاد الأوروبي حتى لا يغضب يهود أو تغضب أمريكا وسيرد أمر القدس إلى التفاوض بين الضحية والجلاد.