السياسة الديمغرافية الإسرائيلية في القدس 2-2

د.عدنان أبو عامر

بلغت مساحة مدينة القدس قبل سنة 1967 (6 كم2)، وتضم حدودها: البلدة القديمة، واد الجوز، الشيخ جراح، ووصل عدد سكانها 75 ألف نسمة، يعيشون في 13500 وحدة سكنية، وطبقاً للزيادة السكانية الطبيعية كان من المفترض أن يعيش في القدس الآن 280 ألف فلسطيني، عدا المهجرين بعد حرب 1967، ومنذ بداية الاحتلال قام "الإسرائيليون" بتنفيذ سياسة تستهدف تهجير الفلسطينيين من القدس، فقاموا بهدم حي الشرف بكامله في البلدة القديمة، ورحلوا 135 عائلة منه بتعداد 650 مواطناً إلى مخيم شعفاط وحي المغاربة.

وبالمقارنة بين الحالة العمرانية والديمغرافية: فلسطينياً وصهيونياً، في القدس الشرقية نلاحظ أن عدد اليهود قبل سنة 1967 كان صفراً, وارتفع ما بعد الحرب إلى 200 ألفاً, فيما بلغ عدد الفلسطينيين 88 ألفاً قبل الحرب، وبعدها 216 ألفاً.

إجراءات طاردة

أما عن الوحدات السكنية اليهودية فقد كانت قبل الحرب صفراً، وبعدها وصلت 60 ألف وحدة، والوحدات السكنية الفلسطينية بلغت قبل الحرب 13500 وحدة، ووصلت 21 ألف وحدة، ولاستيعاب هذا العدد الكبير من المستوطنين، تم بناء 15 مستوطنة في حدود القدس بعد أن قاموا بتوسيع حدودها الشرقية إلى 75.5 كم2، لتصبح مساحتها الموحدة 123 كم2.

ويعيش الآن في القدس الغربية 275 ألف صهيوني، إضافة إلى 186 ألفاً في الشق الشرقي، علما بأن المخطط الصهيوني يستهدف إحاطتها بـ250 ألفاً، وداخل الجانب الشرقي 250 ألفاً في القدس الموسعة، و500 ألفاً آخرين في الجانب الغربي ومحيطها، ليبلغ عدد سكانها مليون يهودي.

ويقوم الصهاينة دوماً بكافة الإجراءات حتى لا يزيد عدد الفلسطينيين عن 20% من سكان القدس الموحدة، ولم ينجحوا فيما اتخذوه من هدم البيوت وعدم السماح للمواطنين بالبناء داخل حدود البلدية، وتصعب إجراءات الحصول على الترخيص، والتمييز في قوانين البناء، بحيث يسمح لليهودي بناء ثماني طوابق، بينما لا يسمح للفلسطيني -حتى لو حصل على ترخيص بناء- أن ينشئ أكثر من طابقين، مما دفع بالسكان للامتداد العمراني خارج القدس بشكل قصري، وأدى لوجود 100 ألف فلسطيني يعيشون خارج حدود البلدية المعلنة.

ورغم كافة هذه الإجراءات، يشكل الفلسطينيون 30% من سكان القدس، بشقيها الشرقي والغربي، ولم تتجاوز نسبتهم حتى سنوات السبعينات 23%، وهو ما لم يتحمله الصهاينة، وقد يكون أحد العوامل التي سرعت بالإعلان عن خطة التوسيع الجديدة.

وبناءاً على هذه السياسة، اتخذت الحكومات المتعاقبة سلسلة من القرارات للحفاظ على هذه النسبة، وأوضح وزير الإسكان والبناء عن حزب العمل "اسحاق هرتسوغ" بأن" تعزيز القدس بصورة عقلانية دون المس بمكانة إسرائيل السياسية"، هو أحد المسائل التي تقع على رأس سلم أولوياته، وبالتالي فهو لا ينوي إيقاف البناء في الأحياء اليهودية بالقدس الشرقية، كما جاء التسريع في البناء بالمراحل القادمة في مستوطنة جبل أبو غنيم ليشكل تواصلاً إقليمياً جغرافياً بين القدس و"معاليه ادوميم".

وقد تم تسويق 2400 شقة، والمرحلة الثانية أقيم فيها 2000 شقة، وتم تسويق 800 شقة، أما المرحلة الثالثة التي تشمل إقامة 2000 شقة ضمن المخطط المستقبلي لمصادرة المزيد من الأراضي.

** السكن المنفصل

كما أظهر الإحصاء السنوي حول القدس بأن هنالك تحولاً أكثر فأكثر إلى مدينة أصولية وفقيرة وعربية، وبالتالي أيد حزب العمل فكرة إخراج الأحياء العربية منها، ونقلها للسلطة الفلسطينية في إطار التسوية الدائمة المستقبلية، وجاء هذا التأييد باسم الاعتبارات الديمغرافية حتى تكون القدس مدينة ذات أغلبية يهودية، وأقلية عربية.

فيما أبدى حزب الليكود اعتقاده باسم الاعتبارات الديمغرافية أن ضم مناطق أخرى محيطة حول القدس مثل "معاليه ادوميم، وجبعات زئيف"، واتخاذ خطوات لتحسين الوضع الاقتصادي في المدينة، وبناء أحياء يهودية جديدة في المناطق التي ضمت لها من العرب يكفي لوقف تزايد عدد العرب في العاصمة.

كما شجعت سلطات الاحتلال السكن المنفصل، وفي حالات عديدة منعت اليهود من السكن في قلب التجمعات السكانية الفلسطينية، لمنع الاحتكاك والمحافظة على الهدوء، أما الاستثناء البارز في هذه السياسة فهو الحي اليهودي في البلدة القديمة.

وبات من الواضح أن مخططات الهدم والتهجير الإسرائيلية في القدس ومحيطها تتم بخطوات متسارعة، من أجل تحويلها لمدينة يهودية خالصة في سياق المشاريع الإسرائيلية لإحداث الانقلاب الديمغرافي لصالح أغلبية يهودية على حساب الوجود العربي الإسلامي، بل وإفراغ القدس الشرقية المحتلة تماماً من العرب حتى عام 2020، وبناء ما تسميه مصادر الاحتلال بـ"الجدار الديموغرافي اليهودي".

وفي حال استمر الميل الحالي للتزايد السكاني مقارنة بين العرب واليهود، فسيشكلون بحلول عام 2020 ما نسبته 60% من سكان القدس، مقابل 66% حالياً، في حين ستتراوح نسبة العرب بين 34-40%.

ويبلغ عدد سكان القدس، الشرقية والغربية، حالياً 720 ألف نسمة، ويشمل اليهود في الأحياء التي بنتها الدولة العبرية في القسم الشرقي من المدينة المحتلة عام 1967، ومنذ أربعة عقود، زاد عدد السكان العرب بنسبة 257%، وانتقل عددهم من 68 ألفاً إلى 245 ألفاً حالياً، في حين عرف السكان اليهود نمواً بلغ 140%، وانتقل عددهم من 200 ألف إلى 475 ألفاً، وبالتالي سيشكل العرب نسبة 50% عام 2035، مع نضوب وتراجع نسبة الهجرة الاستيطانية من الخارج نحو فلسطين المحتلة.

وقد لجأت إسرائيل لتحقيق التفوق الديموغرافي إلى اعتماد عدد من الإجراءات أهمها:

1- سحب الهويات من عدد كبير من السكان بذريعة إقامتهم خارجها، وتشير الإحصائيات إلى سحب هويات 4169 رب أسرة عربية مقدسية بين عامي 1967- 1997، وحالت دون حصول من بلغوا سن السادسة عشر على الهوية، والبالغ عددهم 10 آلاف شخصاً.

وتنظر سلطات الاحتلال إلى المواطنين الفلسطينيين في القدس على أنهم مواطنين أردنيين يعيشون في "دولة إسرائيل"، طبقاً للقوانين التي فرضتها على المدينة، حيث أعلنت في الأيام الأولى للاحتلال سنة 1967 منع التجول، وأجرت إحصاء للفلسطينيين بتاريخ 26/6/1967، واعتبرت أن جداول هذا الإحصاء هي الحكم الأساس لإعطاء بطاقة الإقامة للفلسطينيين في القدس، ومن تواجد منهم خارج فلسطين أو خارج المدينة لا يحق له العودة إليها.

كما طبقت على الفلسطينيين قانون الإقامة لسنة 1952 وتعديلاته لسنة 1974، بما فيها الأمر رقم "11" لأنظمة الدخول، الذي يقضي بشروط وتعليمات خاصة متعلقة بالإقامة لكل من يدخل الكيان، وبذلك اعتبرت جميع الفلسطينيين المقيمين في القدس دخلوها بطريقة غير شرعية في الخامس من حزيران، ثم سمح لهم بالإقامة فيها كلفتة إنسانية، وبذلك فهم ليسوا مواطنين، وإنما أجانب يقيمون إقامة دائمة داخل الكيان، هذا هو الوضع القانوني للفلسطينيين في القدس.

وبموجب هذا الأمر من تعليمات وأنظمة الدخول، فكل من يغير مكان إقامته يفقد حق العودة إلى القدس، وتغيير مكان الإقامة ليس إلى خارج فلسطين فقط، بل خارج حدود البلدية، وبالتالي يتم سحب حق الإقامة وإخراجه خارج البلاد، كل ذلك من أجل إعادة التوازن الديمغرافي لصالح الصهاينة، وجعل السكان العرب أقلية في المدينة.

2- زيادة عدد اليهود في البلدة القديمة من صفر عام 1967 إلى 3800 عام 2002، يتركز جميعهم في التجمع اليهودي الاستيطاني الذي أقيم في الحي الإسلامي، وعلى أنقاض حارتي المغاربة والشرف العربيتين، بالإضافة إلى عدد من البيوت التي استولى عليها اليهود في الحي الإسلامي.

3- أدى التطور في التركيبة السكانية للبلدة القديمة داخل الأسوار إلى التغيير في بنيتها الديموغرافية، إذ أصبح اليهود يستحوذون بالقوة على 20% من مجموع أراضي البلدة القديمة، بينما يملك العرب المسلمون 52%، والعرب المسيحيون 29%.

وبات المقدسيون يشكلون ثقلاً لا يُستهان به على الصعيد الديموغرافي والسياسي، وحتى الاجتماعي، ويتميزون بمعادلة وتركيبة عمرية شابة بشكل عام، حيث بلغت نسبة فئة الأعمار ما دون 19 عاماً 44% من مجموع السكان عام 1997، ما يجعله مجتمعاً قابلاً وقادراً على عملية التغيير والتطوير بما تحمله من صعوبة وحاجة بنفس الوقت.