(مقصد مناسك الحج ونسك العيد إحياء ذكر الله، وإثبات التوحيد)

د. يونس الأسطل

 ( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ(

(الحج: 34)

 

   انتهى موسم الحج، وارتحل عيد الأضحى، والمفترض أن تظهر مقاصد التشريع في سلوك المؤمنين بعد الفراغ من هاتين العبادتين؛ حتى لا تكون العبادات مجرد عادات جوفاء لا رُوحَ لها، وينتهي الاهتمام بها بمجرد انسلاخ أيامها.

   وإن من مقاصد الحج والتشريق والأضحى إحياء ذكر الله في الأرض، حتى نكون بعده ممن يذكرون الله ذكراً كثيراً، ويسبحونه بكرة وأصيلاً؛ فإن الذاكرين الله كثيراً والذاكرات أعدَّ الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً.

   لذلك فقد كشفت سورة الحج أن الله عز وجل قد أمر سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام أن يُؤَذِّنَ في الناس بالحج ليأتوا رجالاً؛ أيْ مُشاةً إذا كانوا حاضري المسجد الحرام، أو ركباناً على الرواحل اللاتي يأتين من كل فَجٍّ عميق؛ ليشهدوا منافع لهم، ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، سواء كان المعنى هو الإهلال بها لله؛ بأن يقال عند ذبحها أو نحرها؛ باسم الله والله أكبر، فيكون المعنى، ويذكروا اسم الله على نحر ما رزقهم من بهيمة الأنعام، أو كان المراد هو أن يذكروا الله ويشكروه من أجل رزقهم بهيمة الأنعام، فقد خلقها لكم فيها دِفْءٌ، ومنافع، ومنها تأكلون، ولكم فيها جَمَالٌ حين تريحون، وحين تسرحون، وتحمل أثقالكم إلى بلدٍ لم تكونوا بَالِغِيهِ إلا بِشِقِّ الأنفس، ولِتَبْلُغُوا عليها حاجةً في صدوركم، وعليها وعلى الفلك تحملون، فقد خُلِقتْ لتركبوها وزينة، فضلاً عن سِقايتكم مما في بطونها من بين فَرْثٍ ودمٍ لبناً خالصاً سائغاً للشاربين؛ فقد أنشأ لكم من الأنعام حمولةً وفَرْشاً؛ أي مفروشة للذبح، حين تطرح على صفاحها اليسرى متجهة للقبلة لتكون قرباناً لله.

   ومما يشهد بهذا المقصد أنه في آية المقال قد أخبر أن المنسك، وهو القربان لله بالذبح؛ لما ينطوي عليه من عبودية الذكر، قد كان شريعةً إلهيةً في الأمم كلها، وقد اتخذه دليلاً على وحدانيته؛ إذْ وحدة الشرائع تدل على وحدة المُشَرِّع، ولو تعددت الآلهة فَرَضاً؛ لتعددت التشريعات وتضاربت؛ بحكم الخصومة والتصارع بينها، ولو كان معه آلهة كما يقولون إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً، ولذهب كل إلهٍ بما خلق، ولَعَلَا بعضهم على بعض، ولو كان في السماوات والأرض آلهة إلا الله لفسدتا، فانتظام الكون، وانتفاء الفُروج، والفُطور، والتفاوت عن السماوات دليل وحدانية الخالق والمالك، سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيرا.

   ثم عاد في سورة الحج ليجعل المُخْبتين الخاشعين المتواضعين بأنهم الذين إذا ذكر الله وَجِلَتْ قلوبهم، مع ثلاث صفات أخرى، ليبني عليها الأمر بذكر الله جل جلاله على نحر البُدْنِ صَوَافَّ، أيْ واقفة على ثلاثة أرجل، وقد رُبِطت الرابعة؛ حتى لا تتمكن من الجماح أو الإباق.

   وأما سورة البقرة ففيها أمر الحجيج بذكر الله كثيراً، ذلك أن التلبية والتكبير وغيرهما من الذكر والدعاء، أو التلاوة والتسبيح، تملأ على الحجيج أوقاتهم، فقد أمركم إذا أفضتم من عرفات أن تذكروا الله عند المشعر الحرام؛ أيْ في مزدلفة، وأن تذكروه كما هداكم، وإن كنتم من قبله لمن الضالين، ثم أوجب عليكم إذا قضيتم مناسككم أن تذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشدَّ ذكراً، فقد كانت تقوم المناظرات والمفاخرة بالآباء بالأَشْعار والخطب في سوق عكاظ بعد الموسم، بما يلهي عن ذكر الله، ويوقع بينهم العداوة والبغضاء، أشبه ما يكون بقول القائل:

 

أولـئك آبـائي فَجِئْنِي بمثلِـهم

إذا جَمَعَتْنا يوماً يا جريرُ المَجَامعُ

   ثم عاد وأمر بأن يذكروا الله في أيام معدودات، وأن المغفرة وسقوط الآثام حاصلة لمن تعجَّل في يومين من أيام التشريق، أو أتمَّ اليوم الثالث، ما دام التأخر أو التعجل بدافع تقوى الله، لا لغيره من النوايا؛ كالتعجل لِلتَّفَلُّتِ من متاعب المناسك، أو التأخر زيادةً في السياحة، وتهرباً من الرجوع للوظائف العامة مثلاً.

   إذاً فالمطلوب من الحاج والمضحي أن يُرَى مقصد هذه العبادات في سلوكه بعد قضائه مناسكه؛ فيحافظ على أذكار الصباح والمساء، ويكون له وظائف تعبدية في اليوم والليلة، وضابط ذلك أن يكون حاله بعدها أفضلَ منه قبلها، وأحبُّ الأعمال إلى الله أدومها وإنْ قَلَّ، والعبرة بالخواتيم، فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ذاكرون.

   وقد تضمنت سورة الحج آية أخرى شبيهة بآية المقال، يقول فيها ربنا تبارك وتعالى:" لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدىً مُسْتَقِيمٍ " (الآية: 67).

   إن المنسك يطلق ابتداء على مطلق العبادة، فالناسك هو المنهمك في العبادة الزاهد في الدنيا، ويطلق على الذبائح، وعلى العيد، بل وعلى الحج نفسه، من باب إطلاق الكل وإرادة الجزء، وإذا جاء على صيغة الجمع أريد به أفعال الحج، كما في الموضعين من سورة البقرة:

   " رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ " (الآية: 128).

   " فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً..." (الآية: 200).

   وأما لفظ النُّسُك فيراد به الذبيحة، أو مطلق العبادة، وقد جاء بالمعنى الأول في سورة البقرة نفسِها في كفارة الحَلْق للمحرم عند الحاجة، ويقاس عليه انتهاك بقية محظورات الإحرام من الطِّيب، وقَصِّ الظُّفْر، ولبس المخيط، وغيرها؛ لقوله تعالى:

   " فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ " (الآية: 196).

   ومما جاء بالمعنى الثاني:" قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ " (الأنعام: 162، 163).

   أما آيتا الحج فأريد بالمنسك في آية المقال القربان، سواء كان هدياً أو أضحية؛ لذكر بهيمة الأنعام فيها، وأما الموضع الثاني فهو عام في العبادة، فيتناول القربان، وشعائر الحج، والأعياد.

   والغرض من إيرادهما تأكيد الوحدانية؛ إذْ لم يجعلْ لكل أمة إلا مَنْسَكاً واحداً، فمن أين جاء مشركو العرب، وكفرة العجم بكل تلك المناسك والشعائر التي تعددت بتعدد الأوثان التي ما أنزل الله بها من سلطان، إلا أنها أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم، فلا يسمعونكم إذْ تدعون، ولا ينفعونكم ولا يضرون؟!!.

   وقد زاد في الآية الثانية أن فطرة الناس متطلعة إلى المنسك، فلا تكاد تتركه، (هُمْ نَاسِكُوه) أيْ ناسكون فيه، ورَتَّبَ عليه النهي عن المنازعة في الأمر، وهو التوحيد، إذْ كانوا يزعمون أنهم يحجون تمسكاً بملة إبراهيم، فلما جاء الإسلام بوجوب الحج على الناس، راحوا ينازعون بأنهم على الحق؛ لينسحب ذلك على كل ما ابتدعوه من الشرك والرجس، وأمره أن يمضي في الدعاء إلى توحيد الله؛ فإنه على صراط مستقيم، فلا يلتفت إلى جِدَالِهم، وهو معنى (فله أَسْلِموا) في الآية الأولى، أيْ وَحِّدوه وانقادوا له انقياد المُخْبتين الخاضعين الوَجِلين الصابرين المصلين المُنْفِقين بخلاف المشركين المستكبرين الذين ضلَّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.

 

وتهانينا بالحج والعيد