ضحايا لم تشملهم تهدئة غزة!

الكاتب احمد الكومي
الكاتب احمد الكومي

بقلم -  أحمد الكومي

قائمة طويلة من البنود شملتها تفاهمات التهدئة المعلنة بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي؛ لإنهاء التوتر على الحدود الشرقية لقطاع غزة، شملت كل شيء واستثنت أهم شيء!

رفعت قيادة جيش الاحتلال درجة التحكّم بقواعد إطلاق النار مع دخول التفاهمات حيز التنفيذ، بشكل راعى عدم رفع كُلفة الدم تفادياً لحرب لا يريدها الجميع.

فلسطيني واحد فقط كان خارج حسابات التهدئة، يخوض حرباً لا بنادق قنص فيها ولا قنابل غاز، وليست في يوم الجمعة فقط، ولا تنتهي مع مغيب الشمس.

إنه المزارع الحدودي الذي يخوض حربه معزولاً مع طائرات شراعية إسرائيلية، تحلّق غرباً على أعيننا، وتلقي ما في بطنها على أراضينا الزراعية بطول الشريط الحدودي لقطاع غزة الممتد على مسافة 41 كم، تنشر السمّ بدواعٍ أمنية!

يكشف تحقيق استقصائي حديث أعدّته صحيفة الغارديان البريطانية في 20 يوليو الجاري، بعنوان: "استخدام إسرائيل لمبيدات الحشائش الضارة بالقرب من غزة يضر بالمحاصيل الفلسطينية"، أن المبيدات الحشرية التي ترشها إسرائيل على الجانب الفلسطيني تسبب أضرارًا لا يمكن السيطرة عليها.

قضت الغارديان قرابة سنة و4 أشهر وهي تجمع الأدلّة حول تأثير المبيد الإسرائيلي شرق غزة، وانتهت إلى أن إسرائيل رشّت خلال 5 سنوات ماضية، مبيدات حشائش على المناطق العازلة التابعة للقطاع، بمعدل 30 مرة أكثر من تلك التي رشتها داخل المناطق داخل الخط الأخضر!

أظهر التحقيق أن المبيد الإسرائيلي يصل عبر الطائرة الشراعية إلى مسافة 300 متر داخل قطاع غزة. ويبرر الاحتلال أن "رشّ المبيدات ضروري لأسباب أمنية"!

يتحيّن الاحتلال رشّ المبيدات مع اتجاه الرياح حين لا تكون غربية شرقية،؛ من أجل أن يزيد من وصول المبيدات إلى محاصيل مزارعي المناطق الحدودية.

وبالإضافة إلى التربة والمحاصيل، فإن عمليات القتل تطال خلايا النحل هناك. كما أن المبيد الإسرائيلي يحرم الماشية غذائها، حين نعلم أنه يتسبب إحراق مساحات كبيرة من الغطاء العشبي، أو تدميره، بكلمة أصح.

تتم عمليات الرش بشكل مفاجئ، وبصورة دورية، ويمكن رؤية طائرة الرش الإسرائيلية بكل وضوح، كما يمكن التعامل معها "إذا قرر المسؤولون ذلك"، حفاظاً على المنطقة الزراعية الحدودية التي تساهم في 25% من الناتج الزراعي في قطاع غزة، باعتبار أنها أراضٍ خصبة وتبطن مياه عذبة.

كان من المفاجئ ألا تملك وزارة الزراعة ولا أي من المؤسسات الدولية العاملة في قطاع الزراعة في غزة، أي بيانات شاملة وموثقة تتعلق بتلك المساحات، أو كميات المبيدات المقذوفة إلينا، باستثناء ما كشفت عنه الغارديان. وهذا يشير إلى غياب الاهتمام الذي نتج عنه استبعاد غذائنا من التفاهمات.

تقدّر وزارة الزراعة في غزة فقط أن المبيد الإسرائيلي تسبب بقتل وتدمير 4 آلاف دونم زراعي في المناطق الحدودية شرق القطاع، خلال الأعوام الماضية!

هذه الانتهاكات تؤكد أن حرب الاحتلال ضد القطاع ليست لأهداف سياسية أو لأبعاد أمنية فقط، بقدر ما تؤكد أنها حرب قذرة تقتل كل شيء، حتى البذرة في مهدها.

فالاحتلال يتعمّد الإضرار بالبيئة الفلسطينية في الضفة المحتلة أيضاً، حين تقوم مستوطناته بضخ 40 مليون متر مكعب من المياه العادمة في الأودية والأراضي الزراعية الفلسطينية سنوياً!

في الوقت الذي تبلغ فيه كمية ما ننتجه من المياه العادمة بالضفة حوالي 34 مليون متر مكعب، أي أن المستوطن الاسرائيلي ينتج أكثر من خمسة أضعاف ما ينتجه الفرد الفلسطيني من المياه العادمة.

إن السماح للاحتلال بالتوغل لأمتار داخل حدود غزة، ومشروطاً بعدم إجراء أي أعمال حفر، باستثناء التمشيط وإزالة الأشجار أو الأحراش لدواع أمنية، لا يعفينا من المسؤولية. ويبدو الأمر مماثلاً ومستمراً في حالة التفاهمات الجارية، بشكل يحملنا على التفسير بأننا متواطئون.

كان يفترض أن تنتهي هذه الممارسات مع أول يوم لمسيرات العودة التي قادت إلى تفاهمات أفضت لترتيبات أمنية على الحدود الشرقية، وكان يستوجب أن تكون المناطق الحدودية على رأس اهتماماتنا حفاظاً على أمننا الغذائي، وعلى قاعدة أن الوقاية خير من العلاج.

فوقف الانتهاكات الإسرائيلية ضد البيئة شرق قطاع غزة من المؤكد أنه سيقود إلى خفض أعداد الأسرّة داخل مستشفيات قطاع غزة، الذي تسجّل الزيادة فيها في تقارير وزارة الصحة، على أنها إنجاز!

13 مستشفى حكومي يعمل في القطاع حالياً، تضم 2240 سريرًا، هي أقل من نصف عدد مرضى السرطان في غزة (7 آلاف مريض)، بإمكاني أن أقسم أنهم ضحية صمتنا على هذه الطائرة الشراعية.